أحمد بن علي القلقشندي
132
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ودخل قرطبة وهي إذ ذاك دار علم ، ثم لحق بالإسكندريّة وحجّ ، ودخل العراق ، ولقي أكابر العلماء به يومئذ وفحول النّظَّار ، ولقي أئمة الأشعريّة من أهل السّنّة وأخذ بقولهم في تأويل المتشابه . ويقال إنه لقي أبا حامد الغزاليّ ( 1 ) رحمه اللَّه واستشاره فيما يريده من قيام الدولة بالمغرب . ورجع إلى المغرب وقد حصل على جانب كبير من العلم ، وطعن على أهله في الوقوف مع الظاهر وحملهم على القول بالتأويل والأخذ بمذهب الأشعريّة في جميع العقائد ، وألَّف العقائد على رأيهم مثل المرشدة وغيرها . وكان مع ذلك يقول بعصمة الإمام على مذهب الإمامية من الشّيعة . وانتهى إلى بجاية فأقام بها يدرّس العلم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وهناك لقيه عبد المؤمن أحد أصحابه وارتحل معه إلى المغرب وصار إلى بلاد هرغة من البربر ، فاجتمع إليه الطلبة ونشر العلم ، وأظهر مذهب الأشعرية . وكان الكهّان والمنجّمون يتحدّثون بظهور ملك بالمغرب من البربر ، وشاع في الناس أنه ذلك الملك ، واختار من أصحابه عشرة فجعلهم خاصّته : وهم عبد المؤمن بن عليّ ، وأبو حفص عمر بن علي ، ومحمد بن سليمان ، وعمر بن تافركين ، وعبد اللَّه بن ملويات وغيرهم . ودعا المصامدة إلى بيعته على التوحيد وقتال المجسّمين ، فبايعوه على ذلك سنة خمس عشرة وخمسمائة . ولما تكاملت له البيعة لقّبوه بالمهديّ ، وكان قبل ذلك يلقب بالإمام ، وكان عبد المؤمن أخصّ أصحابه به ، وكان يلقّبه بالخليفة ، وأبو حفص بعده في الخصوصيّة ، وكان يلقّبه بالشيخ ، وكان يسمّي أتباعه الموحّدين تعريضا بمن يجنح عن التأويل ويقف مع الظاهر فيوقعه في التجسيم وغيره ، ولم تحفظ عليه بدعة إلا ما وافق فيه الإماميّة من القول بعصمة الإمام . وقد مرّ ذكر ( 2 ) مدّة ولايته ثم استخلاف
--> ( 1 ) هو : محمد بن محمد الغزاليّ الطوسيّ أبو حامد : حجّة الإسلام ، فيلسوف ، متصوّف . توفي سنة 505 ه . أنظر طبقات الشافعية ( ج 4 ، ص 101 ) والأعلام ( ج 7 ، ص 22 ) ( 2 ) جاء في طبعة دار الكتب المصرية أن هذه الجملة سقطت من القطعة الأزهرية .